السیادة والمصلحة الوطنیة
لكتاب (أزمة العراق سيادياً) الصادر عن مركز العلمين للنشر سنة ٢٠٢١
د. یوسف محمد صادق
معالي الدکتور إبراهیم بحرالعلوم، والزملاء الاعزاء في قسم العلوم السیاسیة بمعهد العلمین للدراسات العلیا وجریدة المواطن، نشکرکم علی هذه المبادرة والمشروع البحثي حول مفهوم السیادة، آملین ان یفتح المشروع الباب علی مناقشة مستفيضة لفهم مشترک للسیادة الوطنێة مستندا علی المصالح الوطنێة والمشترکة بێن کافة أطیاف الشعب العراقي. سنرکز بحسب الطلب الموجه لنا علی المحور الثالث المخصص للعلاقة مابین مفهوم السیادة وأشکالها بالعلاقة مع تحقیق المصالح الوطنیة.
یجب التفکیر حول مفهوم السیادة بشکل أعمق بدایة لکي نفهم العلاقة مابین السیادة و المصلحة الوطنیة. هنالک نوعان من السیادة علی المستوی النظري؛ السیادة السلبية والسیادة الإیجابیة. هذا التصنیف یرجع لتصنيف المنظرالإجتماع السیاسي “أشعیا برلین” للحریة علی نوعین: الحرية السلبیة والحریة الإیجابیة. وحسب ذلك السیادة السلبیة تعني ان تکون الدولة سیدة لکیانها، ولا تکون تحت سلطان وتأثیر وضغط أي دولة أو قوة أخری. من هنا فان السیادة السلبية هي عدم تدخل أی فاعل دولي آخر في الشؤون الداخلية للدولة، والدولة هي صاحبة السیادة علی کل سلطاتها وترابها.
ولکن السیادة الایجابية هي إمتلاك القدرة والوعي والأدوات المناسبة لبسط الدولة لسیادتها. لذلک لا تتحقق السیادة بمجرد عدم تدخل الغیر، بل یجب ان تکون الدولة قادرة علی بسط سیادتها لکي تکون سيدة. هذه القدرات لیست داخلیة فحسب، بل یمکن أن تکون خارجیة أیضا، کالقدرة علی إبرام الإتفاقیات والتحالفات والعقود مع الدول الأخری والمجتمع الدولي. في الوقت نفسه، لکي تتمتع الدولة بالسیادة الإیجابية، لابد من أن تحضی بسلطة مسؤولة ومواطن منتج. من هنا فإن السیادة لیس فقط حق قانوني، بل انها کذلك ميزة سیاسیة. بمعنی انها ذات أبعاد إجتماعیة و إقتصادیة وتکنولوجیة وسایکولوجية وکذلك الأدوات الأخری التي توفر للدولة القدرة علی الحکم علی المستوی الداخلي والخارجي لسلطانها.
هناك ترابط وثيق بین السیادة السلبیة و الإیجابیة، لکي تمنع الدولة أي تدخل في شؤونها الداخلية، یجب ان تکون قادرة لمنع تلك التدخلات. من هنا نجد الترابط الوثيق بین السیادة والمصلحة الوطنیة. المصلحة الوطنیة بمعنی کافة المصالح التي تصب في صالح الوطن و/أو جل مصالح مواطني الدولة بدون تمییز أو تفریق. ويتجلى ذلك في وجود نظام إقتصادي حر وقوي، ونظام عسکري وطني ومهني یوفر الأمن، والحکم الرشید. یوفر ذلك للدولة القدرة علی تمتعها بالسیادة الإیجابیة والتي تنتج في النهایة السیادة السلبیة أیضا. اذن تحقیق المصلحة الوطنیة تتیح للدولة القدرة علی بسط سیادتها الداخلیة والخارجیة، وسد الفجوات الداخلیة لتدخل الآخرین في شؤونها. فیتوجب علی الدولة ذات السیادة ان تحقق المصلحة أو المصالح الوطنیة داخلیا وتدافع عنها خارجیا.
ان الإهتمام بتحقیق المصلحة الوطنیة و المصلحة الداخلیة ومصلحة المواطنین، یجرنا إلی الحدیث عن نوع آخر من السیادة وهي السیادة الشعبیة “Popular Sovereignty” التي تعني سیادة الناس، والمرتبطة مباشرة بنظام الحکم. أي کیفیة ممارسة المواطنین لسیادتهم، عن طریق المشارکة السیاسیة، وانتخاب ممثلیهم، کذلك کل أنواع العمل السیاسي. یمکن تقسیم السیادة الشعبیة ايضاً (کسیادة الدولة) إلی السیادة الشعبیة السلبیة والإیجابیة. بمعنی انه لیس کافیا ألا تتدخل الدولة في الشؤون الخاصة للمواطنین وألا تسلب حریتهم، بل یجب ان تکون للمواطنین القدرة علی ممارسة سیادتهم عن طریق المؤسسات والنظام السیاسي. فلسفة النظام البرلماني تأتي من هذه الفکرة تحدیدا: تحقیق المصلحة الوطنیة عن طريق ممارسة المواطنین لسیادتهم ببناء مؤسسات الحکم. وکانت هذه الفکرة مبتغانا نحن حین حاولنا تفعیل وتنشیط وتقویة دور برلمان إقلیم کردستان في مدة رئاستنا للبرلمان. کنا نرید تقلیل دور السلطات غیر الرسمیة وغیر الشرعیة وتأثیرها وسطوتها علی البرلمان. کنا نعتقد ولازلنا بأن ترسیخ السیادة الشعبیة عن طریق تفعیل دور ممثلي الشعب في البرلمان سیؤدي الی تحقیق المصلحة الوطنية وتقویة النظام السیاسي في مواجهة المخاطر والتدخلات الخارجية. من هنا أصبحت مدة رئاستنا لبرلمان الإقلیم أنشط فترة لتمثیل المواطنین و تطلعاتهم وهواجسهم.
کما أسلفنا سابقا ان تحقیق المصلحة الوطنیة عن طریق تطبیق مبدأ السیادة الشعبیة، ستعزز قدرات الدولة داخلیا لتواجه المخاطر الخارجیة من جهة، وتسد الفجوات والتصدعات التي یمکن أن تستغلها القوی الخارجیة للتدخل وکسر سیادة الدولة. فلنتكلم مثلا عن القضیة الکردية في العراق. عدم الوصول إلی حلول جذریة للخلافات مابین الکرد والحکومات المتعاقبة في بغداد بعد التأسیس الاصطناعي لدولة العراق، أدی الی نشوب صراع تاریخي اعطى فرصة لکثیر من القوی الخارجية للتدخل فیه تارة لصالح الکرد وتارة لصالح بغداد خدمة لتحقیق مصالحها و مآربها، بحیث یخسر کلا الجانبین في الاقليم والمركز في آن واحد و تستفید القوی الدولیة الأخری المتدخلة في الصراع. مثلا، لم یتوصل الطرفان الی حل یرضي الجانبین لحل مشکلة کرکوك في منتصف السبعینات من القرن الماضي. لجأ النظام العراقي السابق حسب إتفاق الجزائر سنة (١٩٧٥) إلی التنازل عن جزء من سیادة العراق من شط العرب لصالح النظام الایراني السابق الذي بدوره أدار ظهره عن الکرد في حین کان یحرض المرحوم ملا مصطفی البارزاني قبل ذلك للعودة الی القتال مع بغداد! تصوروا تنازل العراق عن جزء من سيادته لدولة أخری من أجل عدم التنازل لجزء من شعبه و مواطنیه، وتصفیة القضیة الکردیة بالقوة. ولکن فشل في ذلك واستمر النضال الکردي، وأصبح التنازل عن شط العرب إحدی مدخلات الحرب العراقیة – الایرانیة التي إستمرت لثمان سنوات راح ضحیتها مئات الآلاف من کلی الطرفين لم تسفر إلی أي حل، بل فتحت الباب علی مشاکل وصراعات أخری أججت حروب تالية مثل حرب الکویت.
آن الأوان لکي یتعلم الجانبان الدرس من التجارب التاریخیة لتغيير العلاقة مابین الإقليم و بغداد من علاقة تصارعية من نوع اللعبة الصفرية التي لا یستفيد منها أي من الطرفین ویفتح الباب أمام تدخل الآخرین خدمة لمصالحها القومیة، الی علاقة تکاملیة من نوع الـربح- ربح (Win- Win) تخدم المصلحة الوطنية ومصالح المواطنين و تسد الفجوة لتدخل الآخرین. ان تحقیق السیادة الشعبیة علی مستوی العراق برمته، یخفف حدة الصراعات الداخلیة بین مکوناته و یقوي مؤسساته بما یمکنها من بسط سیادته الداخلیة والخارجیة.
وانطلاقا مما ذکر أعلاه یمکن الإستفادة من الموقع الجیوسیاسي للعراق وقدراته البشرية والطبیعیة وحتی تنوعه القومي والدینی والمذهبي الموجود في إطار مشروع جیوستراتیجي و إقتصادي یربط کافة أجزائه ببعضها البعض ویخدم الصالح العام و المصلحة الوطنية ومصالح مواطنیه من جهة، ویحول العراق إلی جسر یربط الشرق بالغرب والخليج بالبحر الأبيض ویصبح العراق (القلب النابض) للتجارة البریة الدولیة. ولکن یتطلب ذلك أن یکون العراق إمتدادا لمواطنیه و مکوناته وقواه وقدراته الداخلیة لا أن یتحول إلی إمتداد لمشاریع استراتیجیة وقومیة لدول وتکتلات دولیة واقلیمیة أخری. أعرف ان الکلام حول مشروع کهذا یمکن أن یعتبر صعب المنال خاصة في ظل الوضع الراهن و تراکم الأزمات السیاسیة والأمنیة والاقتصادیة والمالیة الراهنة، ولکن (استراتیجیة القلب النابض) هي بمثابة بوابة الحل لمشاکل و أزمات العراق الداخلیة و الخارجية، وتساعده في کسر الهوة بین مکوناته وبناء اقتصاد وطني قوي یساعد في تقویة الاستقرار السیاسي الداخلي وتقویة مؤسساته السیاسیة والعسکریة والأمنیة والإقتصادیة الوطنیة خدمة للصالح العام أي تقوي بنیان الدولة داخلیا مما تساعدها في بسط أکبر قدر من السیادة خارجیا في بیئة دولیة أصبح تحقیق السیادة المطلقة فیها حتی للدول الکبیرة ضرب من الخیال. و بدون بناء مشروع وطني یری فیه المواطنون ان تحقیقه یلبي طموحاتهم في العیش الکریم، سیبقي العراق أسیر الأجندات الفئویة الخاصة ویحوله أکثر فأکثر الی ساحة لتصفیة الحسابات للآخرین. إذا لم تستغل أیة دولة عوامل القوة ومواردها، یمکن أن تتحول هذه العوامل إلی أعباء ثقیلة علی کاهل الدولة وتضعفها بدل أن تقویها.

Previous Post
