المشكلة هي السرقة

د. يوسف محمد
يناقش البرلمان العراقي مشروع قانون الانتخابات منذ قرابة عام، لكن ذلك جاء نتيجة ضغوط من المتظاهرين العراقيين. كما اضطر مجلس النواب إلى حل مفوضية الانتخابات السابقة، التي استؤنفت في بداية هذه الدورة الانتخابية باتفاق مع الفصائل الرئيسية، وتعيين مفوضية جديدة بموجب قانون جديد.
نجح المتظاهرون العراقيون في تغيير مفوضية الانتخابات وقانون الانتخابات. لكن القوى الرئيسية التي فازت في الانتخابات العراقية السابقة العنيفة عام 2018 نجحت في تضليل مطالب المتظاهرين وتقاسم مجلس المفوضين الجديد فيما بينها. ويتكرر السيناريو نفسه بالنسبة لقانون الانتخابات. فبعد إقرار قانون الانتخابات “باستثناء الدوائر الانتخابية” في ديسمبر من العام الماضي مع العديد من النواقص، لا تزال القوى نفسها تسعى إلى تمرير الدوائر الانتخابية كما تشاء.
كما ذكرنا مرارًا في الجلسات البرلمانية والسياسية، فإن مشكلة الانتخابات العراقية، بما فيها الإقليمية، لا تكمن في النظام الانتخابي وكيفية تصميم الدوائر الانتخابية، بل في التغييرات الواسعة التي تتكرر باستمرار. تتعلق المشكلة بالمال السياسي الفاسد ووجود قوى مسلحة حزبية تمنع المواطنين من التصويت بحرية. كل هذا أدى إلى تراجع مستمر في مستوى المشاركة الشعبية في الانتخابات. لذلك، سجلت المشاركة في الانتخابات البرلمانية لعام ٢٠١٨ مستوى منخفضًا، ولكن بعد عام، خرج آلاف المواطنين في المحافظات الوسطى والجنوبية إلى الشوارع مطالبين بتغييرات في النظام السياسي العراقي بأكمله.
لجميع الأنظمة الانتخابية وطريقة تقسيم الدوائر الانتخابية في الأنظمة الديمقراطية مزاياها وعيوبها. لا يوجد نظام انتخابي يحقق العدالة المطلقة. قد يكون النظام جيدًا لمجتمع ما، ولكنه ليس كذلك لمجتمع آخر. حتى داخل الدولة الواحدة، قد يُنتج النظام الانتخابي الذي حقق سابقًا العدالة في قياس أصوات المواطنين نظامًا أحادي الحزب نتيجة لبعض التغييرات. على سبيل المثال، نظام الدوائر الانتخابية ذات المقعد الواحد في بريطانيا، والذي كان يُنتج نظامًا ثنائي الحزب مستقرًا يتغير باستمرار، دفع المحافظين الآن إلى الاستمرار في الانتخابات لعدة دورات رغم الأزمة التي يواجهونها.
تعدد الدوائر الانتخابية في الأنظمة الديمقراطية يجعل نتائج الانتخابات أكثر تعبيرًا عن إرادة الناخبين. لكن في بلد كالعراق، بما في ذلك المنطقة، حيث يكون المتغير الانتخابي حاسمًا، فإن تضييق الدوائر الانتخابية يصب في مصلحة نفوذ التنظيمات المسلحة الممولة بالفساد والتي تستطيع بسهولة تنظيم أصواتها والفوز في الانتخابات. وليس من قبيل المصادفة أن القوى التي فازت بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات النيابية الأخيرة بسبب التزوير، والمتهمين بحرق صناديق الاقتراع في الرصافة لتعطيل الفرز اليدوي للأصوات، يحملون الآن راية تقليص الدوائر الانتخابية !