إعادة صياغة أهداف طريق التنمية
د. يوسف محمد صادق
يطرح اليوم على مستوى العالم العديد من المشاريع الجيوستراتيجية القديمة المتجددة للترابط بين أصقاع الأرض، مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية أو مشروع طريق القطب الشمالي الروسي إلى جانب الطرق التقليدية الموجودة. طُرح مؤخراً مشروع آخر من جانب الحكومة العراقية باسم طريق التنمية الذي كان يتم طرحه سابقاً باسم طريق القناة الجافة. وقد أثار الحديث غير المدروس حول المشروع حتى قبل دراسة جدواه الكثير من المناقشات والهواجس الداخلية والخارجية. وفي الاجتماع الثاني لمجموعتنا تم الحديث بإفاضة حول ذلك. وأصبح من الضروري المحاولة لإعادة صياغة هذا المشروع بما يؤدي لسد الفجوات والنواقص الكبيرة في النية التحتية على مستوى العراق وجعله أداة للتكامل الداخلي والإندماج بين المكونات والمحافظات المختلفة فيه، وفي الوقت نفسه تخفيف الإرتدادات والهواجس الخارجية من هذا المشروع حتى قبل ولادته.
یمکن الإستفادة من الموقع الجیوسیاسي للعراق وقدراته البشرية والطبیعیة وحتی تنوعه القومي والدینی والمذهبي الموجود في إطار مشروع جیوستراتیجي و إقتصادي یربط کافة أجزائه ببعضها البعض ویخدم الصالح العام و المصلحة الوطنية ومصالح مواطنیه من جهة، ومن ثم تحويل العراق أيضاً إلی جسر یربط الشرق بالغرب والخليج بالبحر الأبيض ویصبح العراق (القلب النابض) للتجارة البریة الدولیة. ولکن یتطلب ذلك أن یکون العراق إمتداداً لمواطنیه و مکوناته وقواه وقدراته الداخلیة لا أن یتحول إلی إمتداد لمشاریع استراتیجیة وقومیة لدول وتکتلات دولیة واقلیمیة أخری. أعرف ان الکلام حول مشروع کهذا یمکن أن یعتبر صعب المنال خاصة في ظل الوضع الراهن و تراکم الأزمات السیاسیة والأمنیة والاقتصادیة، ولکن (استراتیجیة القلب النابض) هي بمثابة بوابة الحل لمشاکل و أزمات العراق الداخلیة و الخارجية، وتساعده في کسر الهوة بین مکوناته وبناء اقتصاد وطني قوي یساعد في تقویة الاستقرار السیاسي الداخلي وتقویة مؤسساته السیاسیة والعسکریة والأمنیة والإقتصادیة الوطنیة خدمة للصالح العام أي تقوِّي بنیان الدولة داخلیاً مما تساعدها في بسط أکبر قدر من السیادة خارجیا في بیئة دولیة أصبح تحقیق السیادة المطلقة فیها حتی للدول الکبیرة ضرب من الخیال. وبدون بناء مشروع وطني یری فیه المواطنون ان تحقیقه یلبي طموحاتهم في العیش الکریم، سیبقى العراق أسیر الأجندات الفئویة الخاصة ویحوله أکثر فأکثر الی ساحة لتصفیة الحسابات للآخرین. إذا لم تستغل أیة دولة عوامل القوة ومواردها، یمکن أن تتحول هذه العوامل إلی أعباء ثقیلة علی کاهل الدولة وتضعفها بدل أن تقویها.
لذلك نقترح إعادة صياغة مشروع طريق التنمية وتحويله إلى مشروع لتنمية حقيقية على مستوى العراق قبل التفكير في التنمية على مستوى المنطقة. فمثلاً تغيير العلاقة التصارعية بين إقليم كوردستان والحكومات المتعاقبة على مستوى العراق من الصراع الصفري إلى علاقة تكاملية مبنية على الربح للطرفين، سيقوي التماسك الداخلى ويضعف التدخلات الخارجية ويفتح آفاقاً جديدة لسياسة خارجية نشطة للدولة. في الوقت نفسه سيؤدي ذلك إلى تقوية الإقتصاد وتنويع مصادره خصوصاً مع الإمكانات الكبيرة لتطوير قطاع الزراعة في الإقليم فضلاً عن قطاع السياحة. إن تغيير الهدف من طريق التنمية من تحويل العراق إلى معبر للبضائع والطاقة، إلى جعله مصدر لها أيضاً سيؤدي إلى إزدياد الجدوى الإقتصادي للمشروع حتى في حالة عدم تمكن هذا الطريق من منافسة الطرق التقليدية للتجارة الدولية كطريق قناة السويس. وفي هذا المجال يكفي أن نقول بأن ربط الإقليم ومحافظة كركوك بهذا المشروع سيؤدي إلى ربطه بمنطقة مهمة على مستوى العالم من حيث حجم إحتياطاته من الغاز الطبيعي (أي حوالي ٢٧ ترليون/ قدم مكعب) . (ينظر لخريطة توزيع إحتياطات الغاز قي الإقليم):
1. نقلاً عن: د. وحيد أنعام الكاكائي، جيوسياسية النفط والغاز في إقليم كوردستان العراق والفواعل الإقليمية والدولية، ص ٧٦٧، على الرابط التالي:
https://djhr.uodiyala.edu.iq/index.php/DJHR2022/article/view/1361/1260

Previous Post
Next Post
