نهاية نظام ما بعد الانتفاضة
د. يوسف محمد
ماذا حدث؟
مرّ شهران تقريبًا على قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية في 30 مايو، وشهر تقريبًا على بدء تنفيذه. فُسِّرت هذه الحادثة على أنها أبسط بكثير مما هي عليه، في حين أن الحقيقة هي أنه إذا كان إغلاق البرلمان بانقلاب في أكتوبر 2015 قد أغلق الباب أمام أي إصلاحات وتغييرات في الحكم بعد الانتفاضة، فإن الانتفاضة تحكم الإقليم. ينبغي قراءة إغلاق البرلمان في سياق ما يحدث منذ عام 1991، وليس كحدث معزول.
تأسس إقليم كردستان كحكومة أمر واقع في عامي 1991 و1992 على أساسين رئيسيين: الأول هو الإرادة الشعبية لرفض نظام البعث، والذي تجلى على أفضل وجه في الثورة. ثانيًا، دعم المجتمع الدولي للقضية الكردية في جنوب كردستان بعد الثورة، والذي أفضى إلى القرار رقم 688، ومشروع “توفير الراحة”، ومنطقة حظر الطيران. إضافةً إلى ذلك، قرار نظام بغداد آنذاك.
في خريف عام 1991، ساهم انسحاب القوات المسلحة وإدارتها من إقليم كردستان في تمكين الأكراد من ملء الفراغ الأمني والإداري بمؤسساتهم الخاصة.
أما الآن، فقد ضعف كلا العاملين تمامًا. لم تعد غالبية الشعب تؤمن بهذه الإدارة، وخير دليل على ذلك غياب غالبية الناخبين في الانتخابات الأخيرة، واستمرار هروب المواطنين من إدارة الإقليم الفاشلة. على صعيد المجتمع الدولي، سئم أصدقاء الشعب الكردي، ولهم الحق في ذلك، ووفقًا لبعض المعلومات المحددة، لم يعودوا يكترثون بمصير هذه الإدارة. وإذا نظرنا إلى عامل آخر، وهو انغماس الدولة في النظام الدولي وغياب نفوذ الجهات الفاعلة غير الحكومية، فخلافًا لما كان عليه الحال في عام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، سيكون هذا عاملًا آخر في تراجع الدعم للإقليم. أين نحن الآن؟
لم تتمكن سلطات حكومة إقليم كردستان من مأسسة حكم الإقليم، وبدلاً من الشرعية الديمقراطية وصوت الشعب، لا تزال تعتمد على الشرعية الثورية (رغم ما يُقال ويُكتب عن نضال الجبل). وهذا هو المصدر الرئيسي لإخفاقات الإقليم المتتالية
في تلخيصٍ لشدة أحداث السنوات الـ 31 الماضية في ظل تجربة حكومة إقليم كردستان، يُمكن القول إن حدثين من أحداث السنوات الـ 31 الماضية كان لهما تأثيرٌ حاسمٌ في فشل التجربة، وهما:
1. نظام الخمسين بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني؛
2. الحرب الأهلية الانتحارية بين هاتين القوتين، والتي أوصلت الجيش العراقي إلى الكرامة الوطنية للشعب الكردي.
كانت نقطة التحول في تراجع حكومة إقليم كردستان هي فشل الاستفتاء وما تلاه من خسارة لأكثر من نصف أراضي كردستان في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2017. لم يفهم مسعود بارزاني، ومن ساندوه، ومعظم الطبقة المهيمنة من ثوار الجبال، وحتى بعض المعارضين آنذاك، مسألة ضمّ أكراد الجنوب في إطار محافظة الموصل إلى العراق والبقاء فيها، وهي قضية دولية وإقليمية بقدر ما هي قضية داخلية عراقية!
هذه المقامرة غير المحسوبة وغير القانونية، والتي لا تملك أي وثائق قانونية ورسمية تُقرها حتى على المستوى الإقليمي، لم تُفضِ إلى الاستقلال فحسب، بل أدت أيضًا إلى سلسلة من الهزائم المتتالية التي بدأت بموافقة المحكمة الاتحادية العليا.
ومنذ ذلك الحين، فقدت المنطقة تدريجيًا صلاحياتها الفعلية وانفتحت على ما يُسمى بالدستور، بل وحتى على حقوقها الدستورية بشكل أقل.
وإن فشل ما يُسمى بـ”الاقتصاد المستقل” (الذي يعتمد بشكل أكبر على النفط ثم على تركيا) والتسليم القسري للنفط بعد فقدان فرصة التوصل إلى اتفاق متوازن مع بغداد، قد هزّ أسس الحكم الحالي بشكل أكبر.
لذلك، يمكننا أن نستنتج دون تردد أنه بعد كل هذه الإخفاقات، كان قرار المحكمة الاتحادية العليا بشأن عدم دستورية تمديد ولاية البرلمان بمثابة نهاية الحكم غير الديمقراطي وغير الدستوري للإقليم، وليس مرحلة التجديد المستمر لشرعية حكم الإقليم. لذا، انتهت شرعية هذا النظام، وأي محاولة لاستمراره ستؤدي إلى انهيار المنطقة.
ما العمل؟ ما الحل؟
حان الوقت ليجتمع جميع المحسنين في المنطقة حول مشروع إقامة نظام حكم جديد فيها، يكون فيه المواطنون وضمان حقوقهم، وخاصةً توفير فرص العمل والحياة الكريمة لهم، جوهر النظام. وهذا يتطلب الخطوات التالية (هذه بعض النقاط الأساسية، وإلا فهناك خطوات ضرورية أخرى يمكن للمؤمنين إضافتها)
أولاً، على مستوى نظام الحكم:
1. فصل جميع القوات المسلحة والأمنية والمخابراتية عن الأحزاب وتسليمها للحلفاء لإعادة بناء قوة وطنية قوية على جميع المستويات، مثل إعادة بناء الجيش العراقي وقوات الأمن؛
2. إجراء انتخابات نزيهة وذات مصداقية في إقليم كردستان لاختيار برلمان مهمته كتابة دستور الإقليم ثم حله وإجراء الانتخابات؛
3. مراجعة جادة للقضاء وجعله مستقلاً عن التدخل الحزبي والشخصي والحكومي من خلال مشروع شامل.
4. بناء اقتصاد وطني قائم على إيداع جميع أموال الإقليم في المصارف، ووضع حد لأي نهب للإيرادات العامة؛
2. على مستوى العراق والخارج:
إن الاتفاق مع بغداد القائم على التكامل الاقتصادي، وإنهاء الحرب الوهمية بين الجانبين، وحل القضايا عبر الدستور، من شأنه أن يعزز الإقليم.
على الرغم من استمرار المشاكل مع بغداد، إلا أن القضية الكردية داخل العراق قد تقدمت بشكل أكبر بكثير من أجزاء أخرى من كردستان، لذا بدلاً من أن تكون عبئًا على الدول المجاورة، فإن الاتفاق مع بغداد أقل إرهاقًا. بالنسبة للعراق، فإنّ التنازلات الإقليمية لحل المشاكل أقلّ تكلفة بكثير من التنازلات الخارجية، مثل اتفاقية الجزائر.
إنّ وجود إقليم متطور داخل العراق سيعزز دوره في دول الجوار وعلى الصعيد الدولي.
وفي الوقت نفسه، لا بدّ من العمل على تصحيح مسار الحكم في العراق لتحريره من الحكم المركزي والفساد وسوء الإدارة.
ستخلق هذه الخطوات أملاً جديداً في إحياء وبناء حكم عصري قادر على مواجهة جميع التحديات. هناك الآن حاجة تاريخية إلى إرساء نموذج حكم جديد يليق بنضال الشعب الكردي وتضحياته، ويجب تحقيق هذا الحل من خلال العمل المشترك للقوى والمجموعات الوطنية والأهلية

Previous Post
Next Post
